مع انطلاق العام الدراسي الجديد، حذرت لجنة متابعة قضايا التعليم العربي من استمرار الفجوات البنيوية في جهاز التعليم العربي، مؤكدة أن تحسن نسب استحقاق شهادة البجروت لا يمكن أن يشكل وحده مؤشرًا على جودة التعليم، في ظل استمرار ظواهر التسرب، وضعف البنى التحتية، والفجوات في تنفيذ الميزانيات، وغياب قياس واضح للأثر التربوي للخطط الحكومية.
وطالبت المديرة العامة للجنة، د. سماح خطيب أيوب، بكشف حساب شامل وعلني لخطة "تقدّم 550"، التي شارفت مدتها الخمسية على الانتهاء، يشمل حجم الميزانيات التي رُصدت، وما نُفذ فعليًا منها، والأثر الحقيقي الذي تركته على الطلاب والمدارس والسلطات المحلية العربية.
د. سماح خطيب أيوب: خطة "تقدّم 550" بلا كشف حساب كامل
المنتصف مع شيرين يونس
08:08
وقالت خطيب أيوب إن انطلاق السنة الدراسية لا يعني أن الظروف متشابهة في جميع البلدات، مشيرة إلى أن "رنة الجرس وصداها يختلفان من منطقة إلى أخرى بسبب واقع بنيوي مختلف"، لافتة بصورة خاصة إلى التحديات المستمرة في النقب، حيث أجرت اللجنة أخيرًا جولة تفقدية لمتابعة أوضاع المؤسسات التعليمية.
وأضافت أن هذه التحديات ليست جديدة، لكنها تفاقمت خلال السنوات الأخيرة في ظل الاقتطاعات المستمرة من الميزانيات، وعدم توفير حلول شاملة لملفات تراكمت على مدار سنوات.
خطة "تقدّم 550" بلا كشف حساب كامل
وبحسب لجنة المتابعة، أُقرت الخطة الخمسية قبل نحو 5 سنوات، ويُفترض أن تنتهي رسميًا خلال الفترة القريبة، إلا أن اللجنة تقول إنها لم تحصل حتى اليوم على صورة كاملة وواضحة بشأن تنفيذ جميع بنودها.
وقالت خطيب أيوب إن بعض ميزانيات الخطة تعرضت لاقتطاعات، بينها اقتطاعات مرتبطة بوزارة المساواة الاجتماعية، تحت عناوين من بينها مكافحة العنف والجريمة، في وقت لم تتبلور فيه، بحسب قولها، خطة متكاملة توفر الإسناد المطلوب للطواقم التربوية والأهالي والطلاب. وأضافت: "نحن بحاجة إلى مكاشفة وجدولة واضحة، وإلى معرفة ما رُصد وما نُفذ، والأهم من ذلك كله: ما هو الأثر التربوي الحقيقي لهذه الميزانيات".
وأوضحت أن اللجنة تنظر إلى أي خطة مستقبلية من خلال 3 محاور رئيسية: حجم الميزانيات المرصودة، نسبة التنفيذ الفعلي، ثم قياس الأثر التربوي على الطلاب والمدارس. وتابعت: "نحن لا نتحدث عن ميزانيات فقط، بل نريد أن نعرف إن كانت هذه الأموال حسنت فعلًا نسب التسرب، وعززت قدرات أقسام التربية والتعليم، وأحدثت تغييرًا ملموسًا داخل المؤسسة التعليمية".
أقل من 15% من ميزانيات البناء نُفذت
وفي محاولة للحصول على المعطيات، قالت خطيب أيوب إن اللجنة اضطرت إلى تقديم طلب رسمي بموجب قانون حرية المعلومات، بعدما لم تحصل على جميع البيانات المطلوبة بشكل مباشر. وبحسب المعطيات التي جمعتها اللجنة حتى الآن، فإن أقل من 15% من ميزانيات البناء المخصصة للبلدات العربية ضمن الخطة نُفذت فعليًا.
وأقرت خطيب أيوب بأن جزءًا من هذا التعثر لا يرتبط بوزارة التربية والتعليم وحدها، إذ توجد عقبات في التخطيط والترخيص والسلطات المحلية ومؤسسات حكومية أخرى، لكنها شددت على أن الوزارة تتحمل مسؤولية مركزية باعتبارها الجهة التي تدير الخطة وتتابع تنفيذها.
وقالت: "قد تكون هناك معوقات بنيوية في ملفات التخطيط، لكن الوزارة لها دور كجهة ناظمة، وإلا لما أخذت على عاتقها هذه المسؤولية".
ومن أبرز الملفات التي تثير قلق اللجنة ظاهرة "التسرب الخفي"، التي لا تظهر في إحصاءات التسرب الرسمية.
وتقصد اللجنة بذلك الطلاب الذين لا يزالون مسجلين رسميًا في المدارس، لكنهم لا يشاركون فعليًا في العملية التعليمية، سواء بسبب الغياب المتكرر، أو عدم تقديم الامتحانات، أو ضعف التحصيل، أو فقدان الشعور بالانتماء والدافعية. ووصفت خطيب أيوب هؤلاء الطلاب بأنهم "حاضرون غائبون داخل المؤسسة التربوية".
وقالت إن اللجنة طالبت منذ سنوات بإدراج بند واضح لمتابعة هذه الظاهرة ضمن الخطة الخمسية، خصوصًا في ظل سلسلة الأزمات التي واجهها جهاز التعليم، من جائحة كورونا إلى الحرب والعنف والجريمة وحالات الطوارئ المتكررة.
وأضافت: "هذا ملف حارق، لأنه من هنا قد ينزلق الطلاب إلى العنف والجريمة، ومن هنا أيضًا نفشل في الوصول إلى بجروت ذات جودة، وليس فقط في زيادة عدد الحاصلين على الشهادة". وأشارت إلى أن وزارة التربية والتعليم أبلغت الجهات المعنية، خلال لقاء سابق، بأنها لن تتمكن من تنفيذ بند متابعة التسرب الخفي ضمن الخطة الحالية.
التسرب في النقب يتجاوز الهدف بأكثر من الضعف
وبحسب لجنة المتابعة، حددت وزارة التربية والتعليم هدفًا يتمثل بخفض نسبة التسرب الرسمي في البلدات المشمولة بالخطة إلى نحو 1% مع نهاية الخطة الخمسية. إلا أن خطيب أيوب قالت إن النسبة في بعض مناطق النقب تصل إلى نحو 2.71%، أي أكثر من ضعف الهدف المحدد.
وأضافت أن الفجوات لا تقتصر على الفرق بين المجتمع العربي واليهودي، بل تمتد أيضًا بين البلدات العربية نفسها، الأمر الذي يستدعي، وفق اللجنة، الانتقال من الحديث عن المعدلات العامة إلى دراسة كل منطقة وبلدة وفق احتياجاتها.
وقالت: "لا يكفي أن نقول إن هناك تحسنًا في البجروت، بل يجب أن نسأل أي بجروت، وما جودته، وماذا يحدث للطلاب الذين لا يصلون إليه أصلًا".
حصانة نفسية ومدارس آمنة في صدارة الأولويات
وتضع لجنة متابعة قضايا التعليم العربي ملف الحصانة النفسية ضمن الأولويات التي يجب تضمينها في أي خطة جديدة. وقالت خطيب أيوب إن الطلاب والطواقم التربوية يعيشون منذ سنوات في ظل حالات طوارئ متلاحقة، إلى جانب العنف والجريمة والملاحقات السياسية، وهو ما يستدعي توفير مساحات تعليمية آمنة تسمح بالتعبير والتفكير النقدي.
وأضافت أن دور وزارة التربية والتعليم لا يجب أن يقتصر على المناهج والتحصيل، بل يجب أن يشمل ضمان بيئة مدرسية يشعر فيها الطالب والمعلم بالأمان النفسي والاجتماعي.
وأشارت إلى أن اللجنة تطالب كذلك بتعزيز صلاحيات وقدرات مديري أقسام التربية والتعليم في السلطات المحلية، وتحسين قدرتهم على إدارة الميزانيات بصورة مهنية، خصوصًا في ظل ضخ مبالغ كبيرة في بعض البرامج المتعلقة بالعنف والجريمة دون توفير أدوات كافية لضمان استغلالها بالشكل المطلوب.
نقص في الملاءمة بين المعلمين وتخصصاتهم
ومن الملفات التي تناولتها خطيب أيوب أيضًا قضية ملاءمة المعلمين لمجالات التدريس التي يعملون فيها، لا سيما في العلوم والرياضيات والتكنولوجيا. وأشارت إلى معطيات حديثة لدائرة الإحصاء المركزية تظهر وجود نسبة مرتفعة من عدم الملاءمة بين تخصصات المعلمين والمواد أو الفئات العمرية التي يدرسونها، تصل في بعض المجالات إلى قرابة 50%.
وأكدت أن الصورة داخل المجتمع العربي تختلف جزئيًا، إذ توجد، بحسب قولها، كفاءات مهنية وأكاديمية كافية، لكن السياسات الحكومية لا تستثمر هذه الطاقات بالشكل المطلوب. وقالت: "لدينا كفاءات مهنية، لكن وزارة التربية والتعليم لا تستثمرها بالشكل الكافي، كما أوقفت برامج كانت تهدف إلى دمج عدد من هذه الكفاءات في جهاز التعليم العام".
ومع اقتراب انتهاء الخطة الخمسية الحالية والانتخابات المقبلة، بدأت جهات مختلفة العمل على بلورة تصورات وخطط جديدة للتعليم العربي. وقالت خطيب أيوب إن لجنة المتابعة تعمل بالتعاون مع لجنة رؤساء السلطات المحلية العربية، ومديري أقسام التربية والتعليم، ولجان الأهالي وجمعيات مهنية، على استخلاص الدروس من الخطة الحالية وصياغة موقف مهني موحد للمرحلة المقبلة.
وأضافت: "نريد أن نخرج بموقف واضح وصريح ومهني، وأقرب ما يمكن إلى الواقع، حول التحديات والأولويات". وأكدت أن أي خطة مستقبلية يجب ألا تبدأ من الصفر، بل من تقييم حقيقي لما نُفذ في السنوات الخمس الماضية، وما تعثر، وما لم يحقق الأهداف المرجوة.
وختمت بالتأكيد أن المطالب المقبلة ستشمل مكافحة التسرب بنوعيه الظاهر والخفي، وتحسين البنى التحتية، وتعزيز الحصانة النفسية، والاستثمار في العلوم والتكنولوجيا ومهارات STEM، ورفع كفاءة استغلال الميزانيات، إلى جانب اعتماد آلية ثابتة وشفافة لقياس الأثر التربوي.
وقالت: "أي بلورة مهنية للمستقبل يجب أن تبدأ بالمكاشفة: كم رُصد، كم نُفذ، والأهم ماذا تغير فعلًا في حياة الطالب وفي المدرسة العربية".
First published: 15:05, 01.09.26


