لم تعد فكرة الروبوت الذي يتحرك داخل المنزل، يجمع الملابس وينظف الغرف ويحمل الأغراض مقتصرة بالكامل على أفلام الخيال العلمي. ففي عام 2026، بدأت عدة شركات الانتقال من المختبرات ومقاطع الاستعراض إلى تجارب فعلية داخل المنازل.
وفي أحد أحدث الأمثلة، بدأت شركة أميركية ناشئة تدعى "Tau Robotics" تشغيل روبوتات بشرية الشكل لتنظيف المنازل في سان فرانسيسكو، مقابل نحو 26 يورو للساعة. وتقول الشركة إن روبوتاتها نظفت بالفعل عشرات الشقق والمنازل خلال فترة قصيرة من تشغيل الخدمة، وسط اهتمام متزايد من مستخدمين يرغبون في تجربة التكنولوجيا الجديدة.
المهام التي تنفذها هذه الروبوتات ليست خيالية أو معقدة جدًا: تنظيف الأرضيات، مسح أسطح المطابخ، تنظيف الحمامات وترتيب بعض الأغراض. لكن مجرد انتقال الروبوت من المختبر إلى منزل حقيقي يمثل خطوة مهمة في صناعة ظلت لسنوات تعرض قدراتها داخل بيئات معدّة بعناية.
"NEO" روبوت يمكن طلبه للمنزل
شركة "1X" النرويجية–الأميركية ذهبت أبعد، إذ فتحت باب الطلب المسبق على روبوتها البشري "NEO"، المصمم خصيصًا للعمل داخل المنازل.
وتعرض الشركة الروبوت بسعر يصل إلى نحو 20 ألف دولار ضمن برنامج الوصول المبكر، مع خطط لتوفير نماذج اشتراك مستقبلية، وتقول إن عمليات التسليم الأولى للمستهلكين في الولايات المتحدة ستبدأ خلال عام 2026 قبل التوسع إلى أسواق أخرى.
ويزن الروبوت نحو 30 كيلوغرامًا، ويمكنه حمل أغراض ثقيلة نسبيًا، فيما صُمم جسمه بمواد لينة وأنظمة حركة تهدف إلى تخفيف قوة الاصطدام وجعله أكثر أمانًا للعمل بالقرب من البشر والأثاث.
وتراهن الشركة على أن الروبوت سيتمكن تدريجيًا من أداء مهام مثل ترتيب الغرف، حمل الأغراض، جمع الملابس وتنفيذ سلسلة من الأعمال المنزلية المختلفة، بدل اقتصاره على وظيفة واحدة كما تفعل المكانس الآلية التقليدية.
لكن الطموحات الكبيرة لا تعني أن التكنولوجيا أصبحت مكتملة؛ إذ ما زالت النماذج الأولى تحتاج في بعض المواقف إلى تدخل بشري أو مساعدة عن بُعد عندما تواجه مهمة لا تعرف كيفية التعامل معها.
روبوتات تعيش فعلًا مع مستخدمين
في المقابل، اختارت شركات أخرى نهجًا أقل شبهًا بالإنسان وأكثر تركيزًا على الوظيفة. شركة "Hello Robot"، على سبيل المثال، تطور روبوت "Stretch"، الذي يتحرك على عجلات ويحمل ذراعًا قابلة للتمدد، ويستخدم بالفعل في بيئات منزلية وبحثية، بما في ذلك مساعدة أشخاص يعانون من صعوبات حركية على التقاط الأشياء أو تنفيذ بعض المهام اليومية.
ويصل سعر هذه الفئة من الروبوتات إلى عشرات آلاف الدولارات، وهو ما يجعلها حاليًا بعيدة عن متناول غالبية المستهلكين، لكنها تكشف في الوقت نفسه أن دخول الروبوت إلى المنزل لم يعد مسألة نظرية بالكامل.
ورغم المقاطع المثيرة التي تظهر روبوتات تركض وتقفز وترقص، فإن واحدة من أكبر العقبات أمام الروبوت المنزلي تكمن في مهام تبدو للبشر شديدة البساطة.
فالمنزل بيئة فوضوية ومتغيرة باستمرار: كوب قد يكون في مكان مختلف كل يوم، قطعة ملابس قد تسقط بطريقة غير متوقعة، باب قد يبقى نصف مفتوح، كرسي يتحرك من مكانه، وهناك أطفال وحيوانات وأشياء قابلة للكسر وماء ساخن وأدوات حادة.
ولهذا فإن التقاط جورب ملقى على الأرض أو وضع كأس داخل خزانة من دون كسره قد يكون تحديًا تقنيًا أكبر من جعل روبوت يمشي على قدمين في مسار محدد.
وتظهر تجربة الشركات الصينية، التي أصبحت لاعبًا رئيسيًا في سوق الروبوتات البشرية، أن القدرات الحركية تطورت بوتيرة أسرع من قدرة الآلة على فهم البيئة المحيطة واتخاذ القرار المناسب بصورة مستقلة.
وتستطيع بعض الروبوتات اليوم الرقص والركض وتنفيذ حركات معقدة، لكنها لا تزال بطيئة أو غير موثوقة عند أداء أعمال بسيطة ومتغيرة في المصانع والمنازل، وتعمل في بعض الحالات بسرعة أقل بكثير من العامل البشري.
الصين تدفع نحو إنتاج عشرات آلاف الروبوتات
ويأتي السباق المنزلي ضمن طفرة أوسع في سوق الروبوتات البشرية عالميًا، تقودها بصورة خاصة شركات أميركية وصينية.
وتضخ الصين استثمارات كبيرة في هذا القطاع، ضمن محاولة لتحويل الروبوتات البشرية إلى صناعة ضخمة تشبه في تطورها صناعة السيارات الكهربائية، مع خطط لإنتاج عشرات آلاف الوحدات واستخدامها بداية في المصانع والمخازن قبل توسيع وجودها في الخدمات والمنازل.
لكن الانتشار الواسع ما زال مرهونًا بثلاثة عوامل رئيسية: رفع مستوى الذكاء والاستقلالية، خفض تكاليف التصنيع، وضمان قدرة الروبوت على العمل بأمان بجانب البشر لساعات طويلة.
الذكاء الاصطناعي ينتقل من الشاشة إلى الجسد
التحول الأساسي الذي يدفع هذا السباق هو دمج نماذج الذكاء الاصطناعي الحديثة مع الروبوتات، في مجال يُعرف باسم "الذكاء المتجسد" أو Embodied AI.
فبدل أن يجيب الذكاء الاصطناعي عن سؤال على شاشة الهاتف، يُطلب منه أن يرى العالم عبر الكاميرات والمستشعرات، ويفهم الأمر الذي تلقاه، ثم يحرك يدًا وذراعًا وجسمًا لتنفيذه في البيئة الحقيقية.
وهنا يصبح التحدي أكبر بكثير من إنتاج نص أو صورة. فالخطأ في برنامج محادثة قد ينتج إجابة غير دقيقة، أما خطأ الروبوت فقد يؤدي إلى إسقاط كوب أو كسر جهاز أو الاصطدام بإنسان.
ولهذا تجمع الشركات كميات ضخمة من البيانات من البشر وهم يطوون الملابس ويغسلون الأطباق ويفتحون الأدراج ويرتبون المنازل، بهدف تعليم الروبوتات مهارات حركية يقوم بها الإنسان بصورة تلقائية تقريبًا.
وتحاول الشركات تطبيق المنطق نفسه الذي ساهم في تطوير نماذج اللغة الكبيرة: كلما شاهد الروبوت عددًا أكبر من الأمثلة والمهام، ازدادت قدرته على التعامل مع مواقف لم يتدرب عليها حرفيًا من قبل.
الروبوت يتعلم منك داخل منزلك
لكن هذه الطريقة تفتح بدورها نقاشًا واسعًا بشأن الخصوصية.
فالروبوت المنزلي يحتاج إلى كاميرات وميكروفونات وأجهزة استشعار كي يفهم المكان الذي يعمل داخله، ما يعني أنه قد يمتلك قدرة على رؤية تفاصيل شديدة الخصوصية داخل المنزل، من الأشخاص الموجودين فيه إلى محتويات الغرف والعادات اليومية.
ويزداد الأمر حساسية عندما تعتمد بعض الشركات في المراحل الأولى على تشغيل أو توجيه الروبوت عن بُعد بواسطة موظفين بشريين عند عجز النظام عن إنجاز مهمة وحده.
لذلك سيكون على الشركات، إلى جانب تطوير قدرات الروبوت، إقناع المستهلك بأن الصور والبيانات التي يجمعها جهاز يتحرك داخل منزله لن تتحول إلى مصدر للمراقبة أو الاستخدام غير المرغوب فيه.
هل يصبح الروبوت جهازًا منزليًا مثل الغسالة؟
الهدف النهائي للشركات لا يتمثل في بيع روبوت باهظ الثمن لعشاق التكنولوجيا، بل في تحويله إلى منتج استهلاكي عادي. وتراهن الشركات على سيناريو يشبه ما حدث مع الهواتف الذكية والسيارات الكهربائية: تبدأ التكنولوجيا بأسعار مرتفعة وقدرات محدودة، ثم تتحسن بسرعة مع ارتفاع الإنتاج وانخفاض تكلفة المكونات.
وإذا نجحت الشركات في خفض الأسعار ورفع مستوى الاستقلالية، فقد يصبح الروبوت المنزلي قادرًا على تنفيذ مجموعة من الأعمال اليومية، من التنظيف والغسيل إلى حمل المشتريات ومساعدة كبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة.
لكن ذلك يحتاج إلى أن يكون الروبوت قادرًا على العمل لساعات طويلة من دون مراقبة، وأن يتعامل مع الأخطاء والمواقف المفاجئة بصورة أفضل بكثير مما يستطيع فعله اليوم.
السؤال تغيّر من "هل؟" إلى "متى؟"
ويبقى السؤال لم يعد فقط: "هل سيأتي الروبوت المنزلي؟"، بل متى يصبح جيدًا ورخيصًا ومستقلًا بالقدر الكافي ليشتريه المستهلك العادي.
فالروبوتات دخلت بعض البيوت بالفعل في 2026، لكنها لا تزال أقرب إلى أجهزة تجريبية باهظة الثمن ومساعدين لمهام محددة، وليس إلى "عامل منزل آلي" يستطيع تولي الطبخ والتنظيف والغسيل وحده.
ومع ذلك، فإن التطور المتسارع في الذكاء الاصطناعي، والاستثمارات الضخمة التي تتدفق إلى قطاع الروبوتات، يشيران إلى أن المسافة بين مقطع الفيديو الذي نشاهده على الإنترنت والروبوت الذي يتحرك يوميًا في غرفة الجلوس أصبحت أقصر بكثير مما كانت عليه قبل سنوات قليلة.


