كشفت معطيات جديدة صادرة عن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية عن ارتفاع حاد ومتواصل في جرائم واعتداءات المستوطنين ذات الدوافع القومية ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية، وسط تحذيرات غير مسبوقة من مسؤولين أمنيين إسرائيليين بشأن اتساع نطاق هذه الاعتداءات وتحولها إلى عمليات منظمة تستهدف تهجير السكان الفلسطينيين من مناطقهم.
وبحسب تقارير لـ "يديعوت أحرونوت"، فإن المؤسسة الأمنية تنظر بقلق بالغ إلى تصاعد اعتداءات المستوطنين، في وقت تشير فيه تقديراتها إلى تراجع ملحوظ في الهجمات الفلسطينية.
وقال مسؤول أمني إسرائيلي كبير إن الاعتداءات لم تعد تقتصر على مجموعة صغيرة من المتطرفين، بل تقف وراءها نواة منظمة تضم مئات الشبان، بعضهم ينفذ هجمات على منازل فلسطينية ويعمل على إقامة بؤر استيطانية غير قانونية.
أكثر من 950 اعتداءً منذ بداية العام
وفقًا للمعطيات الأمنية الإسرائيلية، سُجل منذ مطلع عام 2026 وحتى بداية تشرين الأول/أكتوبر أكثر من 950 اعتداءً ذا دوافع قومية في الضفة الغربية، مقارنة بنحو 800 اعتداء خلال عام 2025 بأكمله.
ويقترب عدد الاعتداءات المسجلة خلال الأشهر التسعة الأولى من العام الجاري من حصيلة عام 2023، الذي شهد تسجيل نحو 980 اعتداءً طوال العام.
وتشير المؤسسة الأمنية الإسرائيلية إلى أن نقطة التحول الأبرز وقعت اعتبارًا من 28 شباط/فبراير الماضي، بالتزامن مع انطلاق عملية "زئير الأسد"، إذ سُجل ارتفاع إضافي في عدد الاعتداءات وخطورتها.
مسؤول أمني: "هؤلاء مجرمون ينفذون اقتحامات بهدف التهجير"
وفي تصريحات حادة نقلها التقرير، قال مسؤول أمني إسرائيلي إن الحديث يدور عن نواة متطرفة تضم ما بين 300 و500 شاب، وصفهم بأنهم "مجرمون بكل معنى الكلمة".
وأضاف: "لا نتحدث عن حفنة صغيرة، ومن يقول إنهم مجرد حفنة لا يريد حل المشكلة، تمامًا كما أن من يعمم هذه الأفعال على جميع المستوطنين لا يعالج القضية بصورة صحيحة".
وتابع المسؤول: "نحن نتحدث عن مجموعة متطرفة تحرق المنازل بمن فيها".
وأوضح أن طبيعة الاعتداءات شهدت تغيرًا جوهريًا خلال الفترة الأخيرة، مشيرًا إلى أنه في السابق كان منفذوها يبررون أعمالهم باعتبارها ردًا على هجمات فلسطينية، في إطار ما يُعرف باعتداءات "تدفيع الثمن".
أما اليوم، بحسب المسؤول، فقد تغير نمط العمل بصورة كاملة، إذ أصبحت الاعتداءات تشمل اقتحامات مخططة ومتعمدة لمناطق فلسطينية، بهدف دفع السكان إلى مغادرتها.
وقال: "لم تعد هذه الأعمال مجرد ردود فعل، بل اقتحامات متعمدة تهدف إلى تنفيذ عمليات تهجير".
اتهامات لوزراء وأعضاء كنيست بتوفير غطاء سياسي
ووجه مسؤولون في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية انتقادات شديدة إلى وزراء وأعضاء في الكنيست ورؤساء سلطات محلية استيطانية، متهمين بعضهم بتوفير دعم سياسي للمجموعات المتورطة في الاعتداءات.
وبحسب التقرير، فإن هذه المجموعات تواصل إقامة بؤر استيطانية غير قانونية داخل المناطق المصنفة "أ" و"ب" في الضفة الغربية، رغم تعليمات أصدرها رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو بإخلاء جميع البؤر المقامة في تلك المناطق.
وقال مسؤولون أمنيون إن بعض أعضاء الكنيست والوزراء يزورون مواقع استيطانية غير قانونية ويمنحون القائمين عليها دعمًا علنيًا، الأمر الذي يزيد صعوبة التعامل مع هذه الظاهرة.
الجيش الإسرائيلي يشكو من محدودية صلاحياته
وأشار التقرير إلى أن الجيش الإسرائيلي يواجه صعوبات في مواجهة اعتداءات المستوطنين، نتيجة الفوارق بين الصلاحيات والأدوات المتاحة له في التعامل مع الفلسطينيين وتلك المسموح باستخدامها ضد مواطنين إسرائيليين.
وأوضح مسؤول أمني أن الجيش يستطيع استخدام وسائل عسكرية واستخباراتية واسعة في مواجهة المسلحين الفلسطينيين، بينما يخضع جمع المعلومات الاستخباراتية عن المستوطنين الإسرائيليين لقيود مختلفة.
وأضاف أن هذه الفوارق تحد من قدرة الجيش على إحباط الاعتداءات قبل وقوعها، رغم استخدام الأدوات القانونية والأمنية المتاحة.
ودعا مسؤولون أمنيون إلى توسيع إجراءات الإنفاذ، بما يشمل مصادرة المركبات المستخدمة في الاعتداءات، وفرض غرامات مالية، وإلزام المسؤولين عن البؤر الاستيطانية غير القانونية بتحمل تكاليف إخلائها.
كما شددوا على ضرورة تعزيز الإجراءات القضائية والتربوية والاقتصادية، إلى جانب تخصيص قوات إضافية للتعامل مع هذه الاعتداءات.
انتقادات للقضاء بسبب الإفراج عن مشتبهين
ولم تقتصر الانتقادات على المستوى السياسي، إذ وجه مسؤولون أمنيون انتقادات إلى تعامل بعض المحاكم مع المتهمين بالاعتداءات.
وقالوا إن بعض القضاة يفرجون عن مشتبهين ارتكبوا مخالفات خطيرة، بينها الاعتداء على عناصر قوات الأمن ومخالفة الأوامر العسكرية، بينما يتعامل قضاة آخرون مع هذه القضايا بصرامة أكبر.
وفي المقابل، أشار مسؤولون عسكريون إلى أن جهاز الأمن العام الإسرائيلي "الشاباك" بدأ باستخدام وسائل جديدة لإحباط اعتداءات المستوطنين، مؤكدين تحقيق نتائج لا يمكن الكشف عن تفاصيلها.
كما أثاروا تساؤلات بشأن مصادر تمويل المجموعات المتطرفة، مطالبين بفحص إمكانية اتخاذ إجراءات قانونية ضد عمليات جمع الأموال التي تدعم أنشطتها.
5 عرض المعرض


اعتداءات المستوطنين أمس
(تُستخدم هذه الصورة بموجب البند 27 أ من قانون الحقوق الأدبية (2007))
انتقادات لصمت قيادات المستوطنات
ودعا مسؤولون في الجيش الإسرائيلي رؤساء المجالس الاستيطانية وقيادات المستوطنين إلى اتخاذ مواقف علنية أكثر وضوحًا في إدانة الاعتداءات.
وأشاروا إلى أن عددًا محدودًا من رؤساء المجالس يتحدث بصراحة ضد هذه الممارسات، في حين يلتزم آخرون الصمت رغم قدرتهم على التأثير في أوساط المستوطنين.
وفي ما يتعلق بالاعتقالات الإدارية، قال مسؤول أمني كبير إن الأجهزة الأمنية تعمل وفق التعليمات القائمة، لكنه حذر من أن الشبان المتورطين في الاعتداءات باتوا يشعرون بأنهم بمنأى عن المحاسبة.
وأضاف أن محاولات جرت لإلغاء إمكانية إصدار أوامر اعتقال إداري بحقهم، إلا أنها لم تنجح رغم الضغوط التي مورست في هذا الاتجاه.
تحذير من خسائر استراتيجية وضغوط أمريكية
وحذرت المؤسسة الأمنية الإسرائيلية من أن استمرار اعتداءات المستوطنين قد يؤدي إلى تداعيات تتجاوز الوضع الأمني المباشر في الضفة الغربية، لتشمل المصالح السياسية والاستراتيجية لإسرائيل وعلاقاتها الدولية.
وقال مسؤول أمني إن هذه الاعتداءات قد تقوض ما وصفه بالإنجازات الأمنية التي حققتها إسرائيل خلال السنوات الأخيرة.
وأضاف أن الولايات المتحدة تشهد تصاعد أصوات تنتقد إسرائيل بسبب اعتداءات المستوطنين، محذرًا من أن الضغوط الأمريكية قد تؤدي إلى خسارة مكاسب حققتها الحركة الاستيطانية خلال السنوات الماضية.
وبحسب المسؤول، فإن بعض الجهات السياسية والاستيطانية لا تدرك حجم الضرر المحتمل الناجم عن استمرار هذه الاعتداءات.
وتعكس هذه التحذيرات، وفق التقرير، قلقًا متزايدًا داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية من تحول اعتداءات المستوطنين إلى ظاهرة أوسع وأكثر تنظيمًا، في ظل استمرار الخلافات بشأن وسائل مواجهتها ومدى استعداد الجهات السياسية والقضائية لاتخاذ إجراءات أكثر صرامة بحق المتورطين فيها.





