قال رئيس حزب التجمع الوطني الديمقراطي، سامي أبو شحادة، إن التصريحات الأخيرة المنسوبة إليه بشأن إمكان التفاوض مستقبلًا مع مرشح لرئاسة الحكومة في إسرائيل أُخرجت من سياقها، موضحًا أن الحديث جاء ضمن نقاش سياسي ونظري أوسع تناول رؤية الحزب وقراءته للصراع، وليس في إطار موقف آني مرتبط بالواقع السياسي القائم حاليًا. وأكد أن التجمع لا يرى في الساحة الإسرائيلية الراهنة أي مرشح يحمل الحد الأدنى من الشروط السياسية التي يمكن البناء عليها.
أبو شحادة: "التجمع ليس حزبًا متطرفًا ونرفض الفصل بين الهم الوطني واليومي"
هذا النهار مع سناء حمود ومحمد مجادلة
20:39
وأضاف أبو شحادة أن التجمع، بوصفه حزبًا سياسيًا، ينطلق من برنامج قائم على قيم العدالة والمساواة للجميع، ولذلك فإن أي حديث مستقبلي عن التفاهم أو التفاوض لا يمكن فصله عن هذا البرنامج. وقال: "في الوضع الراهن نحن لا نرى أن هناك أحدًا يحمل الحد الأدنى الذي يمكن أن يدفع التجمع إلى التفكير بالتعاطي معه، لكن إذا وُجد في المستقبل من يطرح برنامجًا ينسجم مع جزء من هذه الرؤية، فمن الطبيعي أن يكون هناك حوار سياسي".
رفض الفصل بين الوطني واليومي
وشدد أبو شحادة على أن الخلاف الجوهري بين التجمع وغيره من الطروحات السياسية يكمن في رفض الفصل بين القضايا الوطنية والقضايا اليومية للمواطنين العرب، معتبرًا أن هذا الفصل يشكل خطرًا سياسيًا وفكريًا.
وقال: "نحن لا نفصل بين الهم القومي والهم اليومي، ولا نرى أن القضايا اليومية التي تعني الناس منفصلة عن القضية الوطنية، بل هي جزء لا يتجزأ منها". وأضاف أن مشكلات المجتمع العربي، من عنف وجريمة وتمييز وتهميش، لا يمكن معالجتها بمعزل عن البنية العنصرية التي تحكم الدولة ومؤسساتها.
وتابع موضحًا أن الأزمة ليست في تفاصيل حياتية معزولة، بل في البنية السياسية والفكرية التي تنتج هذه الأزمات، وقال: "المشكلة ليست في المواصلات أو في بند تفصيلي هنا أو هناك، بل في العنصرية ذاتها، وبدون تفكيك البنى والمؤسسات والفكر العنصري، لا يمكن إحراز تقدم حقيقي حتى في القضايا اليومية". وأشار إلى أن اجتزاء تصريح واحد من مقابلة مطولة هو ما أدى إلى هذا الالتباس في فهم موقفه.
"التجمع ليس حزبًا طارئًا أو متطرفًا"
ورأى أبو شحادة أن جزءًا من ردود الفعل على تصريحاته يعود إلى الصورة التي رُسمت عن التجمع خلال سنوات طويلة من التحريض، وخصوصًا في الإعلام العبري، والتي حاولت تصوير الحزب على أنه "متطرف" أو خارج عن العمل السياسي الطبيعي. وقال إن هذا التصوير مجحف، لأن التجمع "حزب وطني وديمقراطي يحمل برنامجًا سياسيًا واضحًا ومبنيًا". كما أشار إلى أن المقابلة الأصلية تناولت بشكل موسع الخلفية الفكرية والتاريخية لبرنامج الحزب، لكن التركيز الإعلامي انصب على جملة واحدة معزولة.
وفي معرض رده على التساؤلات بشأن ما إذا كان ما طرحه يمثل تراجعًا عن أدبيات التجمع التقليدية، قال أبو شحادة إن من يستمع إلى المقابلة كاملة سيجد أن الحديث شمل بوضوح رؤية الحزب التاريخية، بما في ذلك المساواة الجوهرية وتفكيك البنى العنصرية، مشددًا على أن المشكلة ليست في الموقف نفسه، بل في اقتطاعه من سياقه العام.
المشتركة "مشروع استراتيجي"
وفي الشق المتعلق بالعلاقة بين مركبات العمل السياسي العربي، أكد أبو شحادة أن التجمع ما زال يرى في القائمة المشتركة مشروعًا استراتيجيًا، وليس مجرد صيغة انتخابية مؤقتة. وقال: "التجمع الوطني الديمقراطي يرى في المشتركة مشروعًا استراتيجيًا، ويريدها مشتركة حقيقية تستمر أيضًا بعد الانتخابات".
وكشف أن الحزب طرح مشروعًا من عشر نقاط يمكن البناء عليه للتوافق بين مختلف المركبات السياسية، ويتناول القضايا الوطنية واليومية معًا، من الموقف من الاحتلال والحرب على غزة، إلى المساواة الجوهرية، والعنف والجريمة، وقضايا التخطيط والبناء.
وأضاف أن التجمع لا يريد مجرد تحالف تقني أو انتخابي عابر، بل كتلة برلمانية عربية موحدة وقوية وفاعلة، تكون قادرة على العمل السياسي والبرلماني وفق برنامج متفق عليه. وقال إن الهدف هو الحفاظ على وحدة حقيقية تترجم الثقل العددي والسياسي للمجتمع العربي، وتعيد الثقة بالعمل السياسي في ظل أجواء الإحباط السائدة.
برنامج سياسي بديل
وأكد أبو شحادة أن هدف التجمع في هذه المرحلة لا يقتصر على إسقاط الحكومة الحالية أو منع عودة شخصيات مثل إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، رغم وضوح الموقف منهم، بل يتعداه إلى طرح برنامج سياسي مختلف بالكامل. وقال: "نحن لا نريد فقط تغيير نتنياهو، بل تغيير النهج اليميني المتطرف كله، وطرح نهج سياسي مختلف مبني على قيم العدالة والمساواة للجميع".
واعتبر أن غياب بديل سياسي حقيقي في إسرائيل يجعل من مسؤولية الأحزاب العربية مضاعفة، سواء في صياغة مشروع وطني واضح أو في بلورة عمل مشترك قادر على التأثير.
وفي هذا السياق، شدد على أن برنامج التجمع ليس موجهًا للفلسطينيين وحدهم، بل يطرح رؤية سياسية شاملة للطرفين، الفلسطيني والإسرائيلي، تستند إلى الحرية والعدالة والمساواة.
وقال إن فكرة "دولة جميع مواطنيها" بحد ذاتها تعكس هذه الرؤية الشاملة، وترتكز على معادلة "هوية قومية ومواطنة كاملة" بوصفها أساسًا سياسيًا وفكريًا متكاملًا.
مراجعة إسرائيلية مؤجلة
وعن إمكان وجود إصغاء أكبر داخل الشارع الإسرائيلي لمثل هذه الطروحات بعد سنوات الحرب والتصعيد، قال أبو شحادة إن هذا السؤال لا يبدو حاضرًا بقوة في اللحظة الراهنة، لكنه سيعود بقوة بعد وقف إطلاق النار وتغيير الحكومة الحالية.
وأضاف: "لا يمكن الاستمرار في تجاهل هذه الأسئلة الجوهرية، خاصة بعد كل الجرائم والعنف الذي شهدته السنوات الأخيرة، وبعد أن أدرك جزء من المجتمع الإسرائيلي أن هناك حدودًا للقوة". ورأى أن المرحلة المقبلة قد تدفع قطاعات إسرائيلية إلى إعادة طرح أسئلة أساسية كانت مهمشة طوال السنوات الماضية.
وختم أبو شحادة بالتأكيد على أن التجمع يعمل في هذه المرحلة على الدفع نحو وحدة عربية حقيقية، لا مجرد تفاهمات شكلية، مشيرًا إلى أن الاجتماعات الأخيرة بين مركبات العمل السياسي العربي شهدت تقبلًا إيجابيًا للورقة التي طرحها التجمع، وأن الحزب ينتظر الآن ملاحظات ومواقف بقية الأطراف من أجل التقدم نحو صيغة موحدة.
وقال إن الوقت لم يعد يحتمل المزيد من الكماليات أو المناكفات، بل يتطلب بناء ثقل سياسي جدي يترجم قوة المجتمع العربي في هذه الظروف المعقدة.

